حسن الأمين
335
مستدركات أعيان الشيعة
الغنية المجسمة التشكيلية الواضحة التي رسمها دانتي للجحيم . . . لذلك أدركوا عند اكتشاف تأثير الثقافة الإسلامية عند دانتي أنها هي المصدر الحقيقي الذي نهل منه دانتي كثيرا من أوصافه دون أن يطعن ذلك في مدى أصالته أو يقلل من قيمته . . » . ولقد اتبع دانتي أيضا النموذج الإسلامي الذي يقسم الجحيم إلى طبقات عامة تحتوي على تقسيمات فرعية تخدم الهدف الأخلاقي للقصة . . وقد سمى شراح دانتي هذا التقسيم بالبناء الأخلاقي للجحيم . كما تتطابق أوصاف « مينوس » خازن النار عند دانتي وحوارة معه مع ما جاء في قصة [ المعراج ] معراج الرسول ص عن لقائه مع مالك خازن النار وحديثه معه . عن رحلة المطهر ثم يمضي الدكتور صلاح متتبعا فصول الرحلة فصلا فصلا وما فيها من وصف لأنواع العذاب التي يسامها المذنبون والعصاة مظهرا ما فيها من تطابق أو تقارب شديد مع القصة الإسلامية . . حتى عذاب رجال الدين والعلماء يكاد يتطابق مع ما جاء في صحيح البخاري من حديث « يجاء بالرجل يوم القيامة فيطرح في النار فيدور فيها كما يدور الحمار بالرحى فيطوف به أهل النار فيقولون : أي فلان . . ألست كنت تأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر ؟ فيقول : كنت آمر بالمعروف ولا آتيه وأنهى عن المنكر وآتيه « ) * . ويختتم الدكتور صلاح هذا الفصل بقوله « بهذا يتضح لنا أن كثيرا من المواد الأولية التي صاغ منها دانتي صورة وتصوراته عن الجحيم مستقاة من التراث الإسلامي وإذا كانت القدرة الشعرية تعتمد أولا على عبقرية الصياغة والسياق الفلسفي والفكري الجديد ، فان هذا التأثير لا يقلل بحال من قيمة الشاعر الإيطالي بل يوضح طبيعة إبداعه ومدى أصالته » . لكن الدكتور صلاح يعود بعد ذلك ليفرد فصلا شائقا عن رحلة المطهر في الكوميديا وهي الرحلة التي يقطعها دانتي بعد خروجه من الجحيم عبر جبل المطهر الذي ينقسم إلى سبع درجات متصلة فيما بينها تسكنها أرواح بريئة من الكبائر وذنوبها مما تسعه رحمة الله تعالى . . وفي هذا الجبل ترعاها الملائكة وتقودها في دروبه إلى الصعود التدريجي حتى تصل إلى السماء بعد أن تكون قد تطهرت بالصلاة والابتهال والدعاء وقد روى البخاري من حديث أبي سعيد الخدري « يخلص المؤمنون من النار فيحبسون على قنطرة بين الجنة والنار فيقتص لبعضهم من بعض مظالم كانت بينهم في الدنيا حتى إذا هذبوا ونقوا أذن لهم في دخول الجنة » ويمضي الدكتور صلاح في دراسته المقارنة لرحلة المطهر حتى يصل إلى لقاء دانتي مع بياتريس حبيبته السابقة في الدنيا التي تأخذ بيده وترافقه باقي رحلته . . وهو أمر ترفضه الكنيسة لمجافاته لروحها في التهوين من شان العلاقات العاطفية واتهامها بالمادية . لذا فالدكتور صلاح يرى « إن هذا الحب الفردوسي المثالي الذي غذي خيال دانتي مدين بدوره للتصور العربي الإسلامي للحب العذري كما تبلور لدى الشعراء والمفكرين العرب في المشرق والمغرب وانتقل عن طريق الأندلس وصقلية والحروب الصليبية إلى أوروبة » . ثم يسهب الدكتور صلاح في وصف هذا اللقاء ، وما جاء من أوصاف الحور العين في الروايات الإسلامية وما يقابلها أو يشبهها في كوميدية دانتي ليؤكد الحضور القوي لهذا العالم الذي صورته المأثورات الإسلامية في خيال دانتي عندما كتب رائعته . وأخيرا فاني أتساءل مع الدكتور صلاح فضل : لما ذا أثمر هذا التراث الخصب من المأثورات الدينية والأدبية والشعبية واحدة من أهم الملاحم الدينية في الآداب الأوروبية وأثمر شيئا قريبا من ذلك في الملاحم الفارسية من سنائي إلى إقبال ثم عقم الأدب العربي عن احتضان هذه الخمائر والإفادة منها ؟ ثم ألا سبيل أمامنا للإفادة الرشيدة من هذا التراث العظيم بكل طاقاته الروحية وإمكاناته الشعرية وقدرته الهائلة على تجسيد الوجدان الشعبي في أعمال فنية فذة ؟ عبد الرحمن الكواكبي مرت ترجمته في هذا المجلد ، ونضيف إلى ما تقدم الدراسة الآتية ، مكتوبة بقلم سامي الكيالي : نشا الكواكبي في بيئة ضيقة لا يتسع نطاقها للعمل الحر . وكان منذ نشأته الأولى ثورة مشتعلة . فحاول الإصلاح في موطنه من طريق الكتابة في الصحافة . . . ولكن قيود العهد الحميدي كانت ثقيلة . وكان أعوان عبد الحميد ورجاله يحاسبون المرء على الهمس ، فما كان منه ، بعد أن استنفد كل ما يملك لمقاومتهم ، إلا أن هجر وطنه إلى مصر وفي نفسه جيش من الآمال الكبيرة ، وفي فؤاده نزوات ممضة من صلف الحكام ، وجراحات دامية من عنت المستبدين . فأطلق في مصر لأفكاره العنان يكتب في دك عروش الاستبداد وتقويض سلطة المستبدين ، وما زال إلى أن قضى ، بعد أن ترك ذلك الأثر النفيس الذي يقرؤه القارئ اليوم فيجد فيه هذه الصيحات العالية المنبعثة من قلب ملئ بالايمان ، ونفس حرة تكره العبودية ، وتريد الحرية المطلقة لجميع الأوطان ، وللشرق ، وطنه الغالي ، بصورة خاصة . ولد السيد عبد الرحمن الكواكبي من أبوين كريمين في الثالث والعشرين من شهر شوال سنة 1265 ه - 1849 م - وقد تعلم القراءة والكتابة في المدارس الابتدائية - وهي المعروفة بالكتاتيب لذلك العهد ، وبعد أن استوفى حظه منها استحضر له والده أستاذا خاصا لتعليمه التركية والفارسية ، وكانت التركية اللغة الرسمية للدولة ، فبرع فيها ، ثم انتسب إلى المدرسة الكواكبية - المنسوبة إلى أسرته - حيث درس العلوم العربية والفقه والمنطق ، وكانت في نفسه هذه النزعة للإحاطة بشتى العلوم ، فعكف على دراسة الرياضة والطبيعة بالمراجعة والدرس على بعض الأساتذة ، وكان ذكاؤه الحاد من العوامل التي جعلته يحيط إحاطة شاملة بالكثير من فروع العلوم وشتى أنماط الثقافة ، وعرف منذ صغره بالتفوق ، وبالكثير من السجايا الكريمة . ويصفه الشيخ كامل الغزي ، مؤرخ حلب وصديق الفقيد ، بأنه كان منذ حداثة سنه تلمع في محياه مخائل النجابة والشهامة وعلو الجنان ، ويزيد على ذلك بقوله : « كان سخي الطبع ، لا قيمة عنده للمال ، ولوعا بالتفضل على أقرانه وخلانه ، لا يرضى أن يسبقه بالبذل عليهم غيره ، يأنف من الكذب والتدليس والغيبة والنميمة ، ويرى التلبس بهذه الخلال الذميمة دناءة وغدرا وخورا في الطبع ، وكانت نفسه العزيزة تأبى عليه الخضوع لأهل المجد الباطل ، ولا يرى شيئا يطفئ نار غضبه منهم أفضل من قهرهم وإذلالهم » . بهذه الكلمات الموجزة ، ذات المعاني الكبيرة ، وصف لنا الأستاذ الغزي - وهو رفيقه في الدراسة وخدينه في الحياة - نشأة السيد الكواكبي وطرفا من خلقه وسجاياه . ونلمس من هذه الكلمات أن الكواكبي كان منذ حداثة سنه ، ذا صفات مرموقة . أخصها أنفته وكرامته وكرمه وحدة طبعه ، مع نزوع إلى الحرية ، وإيمان بالمثلى العليا ، فما كان يتجاوز دور الطفولة إلى عهد الشباب حتى لفتت هذه المواهب أنظار كبار رجال الدولة في حلب ، فعين وهو في الثامنة والعشرين من عمره محررا في الجريدة الرسمية -